عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
517
اللباب في علوم الكتاب
فإن قيل : قوله : « إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ » يوجب في حق كل من لحقه شدّة أن يعلم أنه سيظفر بزوالها ، وذلك غير ثابت . فالجواب : لا يمتنع أن يكون هذا من خواصّ الأنبياء - عليهم السّلام - وأيضا فإن كان عامّا في حق الكل إذ كلّ من كان في بلاء ، فلا بدّ له من أحد أمرين : إمّا أن يتخلص منه أو يموت ، فإن مات ، فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ، ولا يضيع حقه ، وذلك من أعظم النصر ، وإنما جعله قريبا ؛ لأن الموت آت ؛ وكلّ آت قريب . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 215 ] يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 215 ) قد تقدّم أنّ « ماذا » له استعمالات ستّة عند قوله : ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا [ البقرة : 26 ] . وهنا يجوز أن تكون « ماذا » بمنزلة اسم واحد ، بمعنى الاستفهام ؛ فتكون مفعولا مقدّما ل « ينفقون » ؛ لأنّ العرب يقولون : « عماذا تسأل » بإثبات الألف ، وحذفوها من قولهم : عَمَّ يَتَساءَلُونَ [ النبأ : 1 ] وقوله فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها [ النازعات : 43 ] فلما لم يحذفوا الألف من آخر « ما » ، علمت أنه مع « ذا » بمنزلة اسم واحد ، ولم يحذفوا الألف منه ، لمّا لم يكن آخر الاسم ، والحذف يلحقها إذا كان آخرا ، إلّا أن يكون في شعر ؛ كقوله : [ الوافر ] 1045 - على ما قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرّغ في رماد « 1 » قال القرطبي « 2 » : إن خفّفت الهمزة ، قلت : يسلونك ، ومنه : ما « ينفقون » ويجوز أن تكون « ما » مبتدأ و « ذا » خبره ، وهو موصول . و « ينفقون » صلته ، والعائد محذوف ، و « ماذا » معلّق للسؤال ، فهو في موضع المفعول الثاني ، وقد تقدّم تحقيقه في قوله : سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ [ البقرة : 211 ] . قال القرطبي « 3 » : متى كانت اسما مركبا ، فهي في موضع نصب إلّا ما جاء في قول الشاعر : [ الطويل ] 1046 - وماذا عسى الواشون أن يتحدّثوا * سوى أن يقولوا : إنّني لك عاشق « 4 »
--> ( 1 ) تقدم برقم 665 . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 26 . ( 3 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 26 . ( 4 ) البيت لجميل بثينة ينظر ملحق ديوانه ص 243 ، وخزانة الأدب 6 / 150 ، 153 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 1383 ، ولسان العرب ( ومق ) ، وللمجنون ينظر ديوانه ص 160 ، والأغاني 2 / 50 ، وشرح الأشموني 1 / 75 .